حسن الأمين

23

مستدركات أعيان الشيعة

ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم . ونظم الشعر ، وتصرف في النثر . وبلغ من الخط ما يقصر عنه نظراؤه ، ومن حساب المولد والجبر والمقابلة وجميع الأدوات إلى ما يستقل بدونه الكاتب . وذلك كله قبل استكماله أربع عشرة سنة . واختصر هذا الكتاب [ يعني « إصلاح المنطق » لابن السكيت ] ، فتناهى باختصاره ، وأوفى على جميع فوائده ، حتى لم يفته شيء من ألفاظه ، وغير من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إلى الاختصار ، وجمع كل نوع إلى ما يليق به ، ثم ذكرت له نظمه بعد اختصاره ، فابتدأ به ، وعمل منه عدة أوراق في ليلة . وكان جميع ذلك قبل استكماله سبع عشرة سنة . وأرغب إلى الله في بقائه وسلامته « . وعلى هذا ، فان المعري كان يكبر أبا القاسم المغربي بما لا يقل عن ثماني سنوات ، أي أنه كان في الخامسة والعشرين حين كان أبو القاسم في السابعة عشرة . ومع أن أبا القاسم انتقل بصحبة أبيه وسائر آل المغربي إلى مصر سنة 381 ( أي وهو في سن الحادية عشرة ) ، فإنه كان شديد الحنين إلى عهد نشأته بحلب ، فيقول في بعض شعره - من بعد - : حن قلبي إلى معالم بابلا حنين الموله المشغوف مطلب اللهو والهوى وكناس الخرد العين والظباء الهيف حيث شطا قويق مسرح طرفي والأسامي مؤانسي وأليفي ليس من لم يسل حنينا إلى الأوطان إن شتت النوى بظريف كما أنه يحن إلى معرة النعمان ، مما قد يدل على أنه عرفها قبل الرحلة إلى مصر ، وليس بمستبعد أن يكون في تلك السن قد تعرف إلى أبي العلاء ، وأعجب به ، وقرر أن يشاى شاوه في الدرس والاطلاع ، إذ من المرجح أن يكون لوالده - وهو وزير سيف الدولة - صلة قوية بالمعرة ، مما جعل أبا العلاء المعري يهتم باخباره ، بل لعله سمع منه مباشرة أخبارا لم تضيعها ذاكرته القوية ، فهو يروي في « رسالة الصاهل والشاحج » أن علي بن الحسين المغربي حدث أنه كان مع سيف الدولة علي بن حمدان ، وهما خاليان ، فسأله سيف الدولة عن التزويج ، فقال له علي بن الحسين : لي بنت عم وأنا أنتظر قدومها علي ، فتلفت سيف الدولة يمينا وشمالا ، هل بقربة من يسمع كلامه ، ثم قال : لا تفعل ، بنت العم نبت الغم . ومما يقوي القول بهذه العلاقة أن علي بن الحسين لم يكد يعود من مصر إلى ديار الشام على رأس جيش صد هجوما روميا عند حارم ، حتى سجل أبو العلاء ذلك بقصيدة له ، مطلعها : هو الهجر حتى ما يلم خيال وبعض صدود الزائرين وصال أشاد فيها بانتصار ابن المغربي في تلك الوقعة ، ومدحه بقوله : فلا زلت بدرا كاملا في ضيائه على أنه عند النماء هلال فما لخميس لم تقده عرامة ولا لزمان لست فيه جمال وقد تمت هذه المعركة في أيام العزيز بالله صاحب مصر ( الذي توفي سنة 386 ) ، فهي قد حدثت قبل ذلك العام ، ببضع سنوات ، وكان القائد الأعلى هو بنجوتكين التركي ، وابن المغربي قد عين من قبله ، غير أن القصيدة لا تشير إلى القائد الأعلى ولا إلى العزيز ، وإنما تقتصر على مدح الجيش المقاتل وقائده ، وتكاد أن تقتصر على إعجابه الشخصي بعلي بن الحسين المغربي لما حققه من نصر ، وهو إعجاب عاش مع الزمن ، حتى أنه حين تذكره بعد وفاته بسنوات عديدة قال فيه : « فقد كان ذلك الرجل سيدا ، ولمن ضعف من أهل الأدب مؤيدا ، ولمن قوي منهم وادا ، ودونه للنوب محادا . وكان كما قال القائل : وإذا رأيت صديقه وشقيقه لم تدر أيهما ذوو الأرحام وكان كما قال الطائي : كل شعب كنتم به آل وهب فهو شعبي وشعب كل أديب وفي هذا البيت الأخير الذي استشهد به إشارة إلى أنه كان يعد آل المغربي « شعبه وشعب كل أديب » ، مصرا على موالاتهم ومحبتهم ، رغم كل ما قد يقوله فيهم الشائنون المبغضون . لا عجب إذن - وهذا الاعجاب متبادل - أن يكون أبو العلاء هو المرجع الكبير الذي يعرض عليه أول نتاج يحققه الفتى أبو القاسم المغربي - أعني اختصاره « إصلاح المنطق » لابن السكيت . وإذا لم يكن ذلك بدافع من نصيحة الأب نفسه ، فقد تم بدافع من إيمان الفتى أبي القاسم ، لأنه - فيما يبدو - لم يكن يقل عن أبيه إعجابا بقدرة أبي العلاء . واختصار كتاب - مهما يبلغ من الجودة والإتقان - لا يعد عملا إبداعيا ، حتى يجرد له أبو العلاء المعري همته ويملي فيه رسالة طويلة نسبيا ، تعرف ب « الاغريضية » أو « رسالة الإغريض » ، افتتحها بقوله : « السلام عليك أيتها الحكمة المغربية والألفاظ العربية ، أي هواء رقاك ، وأي غيث سقاك ، برقه كالاحريض وودقه مثل الإغريض » ( ومن هنا جاء اسم الرسالة ) . فاهداء مختصر إصلاح المنطق لم يكن إلا سببا واحدا حدا إلى إملاء هذه الرسالة من بين عدة أسباب ، إذ يبدو أنها توكيد لاستمرار علاقة طيبة بال المغربي : « إن كاتبت فلا ملتمس جواب ، وإن أسهبت في الشكر فلا طالب ثواب ، حسبي ما لدي من أياديه ، وما غمر من فضل السيد الأكبر أبيه ، أدام الله لهما القدرة ما دام الضرب الأول من الطويل صحيحا ، والمنسرح خفيفا سريحا . . . » . وإن المراسلة بين آل المغربي والمعري كانت مستمرة ، فهو يذكر في « الاغريضية » أنه استقبل رسولين من لدن ابن المغربي : أحدهما اسمه موسى ، والآخر هو الزهيري . ثم إن الكتاب لم يصل وحده ، وإنما وصل معه - فيما يبدو - قصيدة أو قصائد من نظم أبي القاسم ، ولذلك وقف أبو العلاء عند شعره يقرظه ويثني على قدرته في ممارسة مختلف الموضوعات ، قبل أن يتحدث عن اختصاره « إصلاح المنطق » . فلما عرض لهذا الكتاب بالغ في الثناء : « . . . شرفا له تصنيفا شفى الريب ، وكفى من ابن قريب ، ودل على جوامع اللغة بالإيماء ، كما دل المضمر على ما طال من الأسماء » . حتى لقد فضله على أصل ابن السكيت . وأبرز ما في الرسالة أمرين : قدرته - أعني أبا العلاء - على التصرف بالصور النحوية واللغوية والعروضية ، ومعرفته بكتاب « إصلاح المنطق » وبعيوبه ، معرفة حفظ ودرس ، ثم ختم رسالته بالشكوى من أنه يقطن في موطن لم تجده عهاد الأدب ، وأما من حيث النشب فان لديه بلغتين : بلغة صبر ، وبلغة وفر ( أي أنه ليس في حاجة إلى عون مادي ) . واعتذر عن مكاتبة الابن بدلا من الأب بقوله : « وأنا في مكاتبة حضرة سيدنا الجليلة ، والميل عن حضرة سيدنا الأجل والده - أعز الله سلطانه - كسبا بن يعرب ، لما ابتهل في التقرب إلى خالق النور ، ومصرف الأمور ، نظر فلم ير أشرف من الشمس يدا ، فسجد لها تعبدا . . . » . إن هذه الرسالة التي أقدر أنها صدرت في حدود سنة [ 338 ] 383 ه‍ ، لم تكن ، على وجه التأكيد ، أول رسالة من المعري إلى الوزير المغربي ، بل تشير الدلائل جميعها إلى أن « رسالة المنيح » كتبت قبلها . ولم تكن « رسالة المنيح » جوابا على رسالة خص بها المعري ، وإنما كانت جوابا عن رسالة عامة بعث بها أبو القاسم المغربي إلى أهل المعرة جملة : « وذلك أنا معشر أهل هذه البلدة وهب لنا شرف عظيم ، وألقي إلينا كتاب كريم ، صدر عن حضرة السيد الحبر ، ومالك أعنة النظم والنثر ، قراءته نسك ، وختامه بل سائره مسك ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون » . وفي رسالة ابن المغربي